جسر الصرافية: قصة عشق في أضلاع الحديد
أحمد جليل الويس
وصل حميمي بين الكرخ والرصافة

لم يكن الكرخ ذلك العاشق القديم يدرك أن ضلوعه الممتدة في اتجاه حبيبته الرصافة ستنكسر ذات صباح، فبعدما مدّ هذه الضلوع على شكل جسر سمّاه البغداديون بطيبتهم «الجسر الحديد» ومنهم من سمّاه جسر «العـلوازية»، وذهب بعضهم ممن عاش تلك الفترة الى تسميته «جسر القطار» واتّفقوا أخيراً على تسمية «جسر الصرافية». وأغلب الظنِّ أنهم سمّوه بهذا الاسم لأنه كان يصرِّف أحزانهم في نهر دجلة العجوز، ويغسل بمائه أحلامهم.
الجسر كان رسول غرام بين عاشقين يذوبان من فرط شفافيّتهما، وفي غفلة من الزمن جاء من تجرّأ على قطع الدرب على هذا الرسول كي لا يوصل رسالته الأخيرة الى العاشقين، بيد أن العراقيين الذين بنوا الجنائن المعلّقة قادرون على أن يبثّوا الحياة في جسد هذا الجسر، ليعود من جديد يحمل عاشقي الكرخ إلى حبيباتهم اللواتي ينتظرن في الرصافة.
والبغداديون لم يتوقّعوا أنهم سيصحون في يوم ما، ليجدوا أن هيكلاً حديدياً كبيراً ينتظر أن يُقَبّل أقدامهم وهم يعبرون عليه إلى حبيباتهم، في «ذاك الصوب» كما يقول الحاج محمد الكرخي. ويسترسل الحاج الكرخي في الحديث عن جسر الصرافية. يقول: «لم يكن هذا النهر الذي تراه الآن هادئاً بل كان هادراً، ولم يكن هناك ما يربط بين الكرخ والرصافة سوى جسرين، كان الجسر الحديد أحدهما في العطيفيّة، وقد أقامه الإنكليز لتأمين عبور قطار الامدادات. أما الثاني فكان جسراً خشبيّاً يربط بين الكاظمية حيث مرقد الإمامين موسى الكاظم ومحمد الجواد من جهة، وبين الأعظميّة حيث مرقد الإمام أبي حنيفة. ويكمل الكرخي حكايته عن الجسر: «كان أبي يصحبنا إليه في أيام الصيف اللاهبة ليعلّمنا السباحة تحت ظلاله الوارفة، ثم أخذ يرمينا من فوقه حينما اشتدّ عودنا في السباحة، وأتذكّر جيداً في إحدى المرّات أنه قال لي: يا بنيّ هذا الجسر لم يكن هكذا في أوائل القرن الفائت، بل كان مجموعة من الدوب (جمع دوبة)، وهي أشبه بزوارق بيضاوية مربوطة ببعضها بإحكام، يعبر الناس بوساطتها بين بغداد وبالعكس، وكان قادراً على حمل عربات القطار المقبل من جهة الرصافة لتسحبه بوساطة الحبال إلى جهة الكرخ، ومن هناك يفرغون حمولته ويعيدون سحبه بالطريقة نفسها إلى الرصافة ليعاود الكرّة من جديد».
محمود النقاش وهو معلّم متقاعد يبلغ من العمر ٨٤ عاماً يقول: حينما كنتُ شاباً كانت الاذاعة العراقية تبثّ أخباراً تقول إن حكومة الباشا نوري السعيد، وكان رئيساً للوزراء آنذاك، ستبني أطول جسر في العالم، وهو سيربط بين ضفّتي بغداد وتحديداً منطقتي الوزيرية التابعة لقضاء الأعظمية من جهة الرصافة، بالعطيفية التابعة لقضاء الكرخ من جهة الكرخ. يتابع النقاش: قد يشك الناس في رواية أن جسر الصرافية كان أطول جسر في العالم نتيجة التطوّر الهائل في العمران وفي تقنيّات البناء، خصوصاً في مجال الجسور والطرق، إلا أن هذه الوقائع كانت حقيقية في الأربعينيات، إذ إن طول الجسر مع ملحقاته في تلك الفترة كان يصل الى نحو ٢١٦٦ متراً، وكان من المفترض أن يشيّد في أستراليا لكن السعيد اتّفق مع البريطانيين على جلبه إلى بغداد مقابل مبلغ من المال، وقد حوّرت الشركة الكثير من تصاميمه الأساسية إلا أنه ظلّ تحفة فنّية رائعة. ويستذكر النقاش كيف سمع صوت الانفجار الذي هزّ طرفي بغداد مثلما هزّ ضمائر أهلها، وأيقظ مشاعرهم وأحاسيسهم وهم يرون جسر ذكرياتهم العتيد يتهاوى. وعن ذلك اليوم يقول: كنت ذاهباً في اتجاه مقهى الشاهبندر الذي حوّله الارهابيون قبل فترة إلى ذكرى مكان، لأحتسي الشاي الصباحي الذي اعتدت تناوله من يد الحاج محمد الخشالي، إلا أنني فوجئت بصوت دويّ هائل لفّ المكان بعباءة من غبار، وقيل لي إن الدور وصل إلى جسر الصرافية هذه المرة. لم أستطع التحمّل فهويت إلى الأرض التي أحسست أنها غيّرت سرعة دورانها في تلك اللحظة.
أبو نادية الشمري الذي تجاوز العقد الرابع من عمره يقول: حين فقدت جدّي في بداية الثمانينيات كنت أقصد هذا الجسر وأبكي، لأنني كنت متعلّقاً بجدّي بعدما أعدم النظام السابق والدي بتهمة الانتماء الى الحزب الشيوعي العراقي، وكان هذا الجسر هو جدي البديل. ويوم سمعت بتفجيره لم أتمالك قواي وأحسست أنني فقدت جدّي مرة ثانية. يضيف الشمري: لم يكن بالنسبة إليّ جسراً، بل كان واحة للارتياح وأنا أعبر إلى الرصافة من جهة الكرخ، كأنه يأخذني من يدي ويهمس في أذني: إرم أحزانك في النهر يا ولدي. هكذا كنت أحس به إلى هذه الدرجة.
قصر شعشوع
لم يكن العراقيون يطلقون على الجسر هذه التسمية، فله كانت أسماء عديدة تعبّر عن طبقات هؤلاء الناس، لكن تسمية الصرافية جاءت من المنطقة التي يمر بها الجسر، حيث كانت معظم العائلات العراقية الراقية تعيش هناك، ومن هناك جاءت التسميّة طبقية، لأن المنطقة التي يمرّ بها الجسر من جهة الكرخ كانت عبارة عن بساتين مبعثرة غير منظّمة. ويقول الحاج أمين المميّز، وهو من الأسر البغدادية الأرستقراطية التي كانت تسكن منطقة الصرافية في كتابه «بغداد كما عرفتها»: إن «الحكّام والوزراء والمماليك في العهد البويهي شيّدوا قصورهم الفخمة في الصرافية، وهي التي كانت تُعرف منذ عهد عمر بن الخطاب بمحزم الرصافة، وكان اسم «المحزمة» معروفاً قبل أن يشيّد المنصور عاصمته المدوّرة في الكرخ. ومنطقة المحزم هي المنطقة التي تعرف حالياً بالصرافية والعلوازية والكسرة وحتى شريعة نجيب باشا». ويضيف الكتاب: «ملك العراق الأول الملك فيصل الأول سكن في منطقة المحزم، وهو ما يعرف اليوم بـ«الصرافية» عندما توّج في العام ١٩٢٠ ملكاً على العراق، وقد شغل أحد القصور الفخمة التي كانت مشيّدة فيها وهو قصر «شعشوع» الذي كان مضرب العراقيين القادمين من خارج بغداد، والذي ما تزال بقاياه قائمة حتى الآن». المتتبّع لأثر هذا الجسر في دائرة المعارف البريطانية، يرى أن الغرض الرئيسي من تشييد هذا الجسر كان عسكرياً، كي يقوم القطار الذي يمرّ فوقه بإيصال الامدادات والمؤن والأسلحة من الكرخ إلى الرصافة. لكن المهم في الأمر أنه ربط الجانبين بطريقة هندسية جميلة، وخلّص البغداديين من استخدام «القفّة» في العبور من ضفّة الى أخرى، وبذلك اعتبر في تلك الفترة طفرة هائلة في العمران الذي كان يشهده العراق ضمن الاطار الزمني الذي بني فيه، ليس على صعيد العراق فحسب، بل على صعيد الشرق الأوسط والعالم بصورة عامة، لا سيما وأنه أطول جسر في العالم في تلك الفترة.
يقول المهندس علي إبراهيم: جسر الصرافية يتكوّن من ٧ فضاءات ويبلغ طول كلّ منها ٨٠ متراً، ما عدا فضاءين اثنين يختلف طولهما عن ذلك. ويبلغ طول الجسر فوق النهر ٤٥٠ متراً، أما عرضه فيبلغ ثمانية أمتار: ستة منها للشارع المعبّد للسيارات والمتران الباقيان لمرور المشاة المحاذي للسياج الخارجي. ويشير إبراهيم إلى أن هذا الجسر واحد من أهم الجسور العراقية من ناحية التصميم والجمال والقوّة التي يمتلكها.
ومن المعلوم لكل البغداديين الذين عاصروا إنشاء هذا الجسر، أنه أقيم بمحاذاة مسار خط القطار بين محطّتي الكرخ والرصافة، وكان عبور القطار فوق دجلة وبموازاة الجسر يعدّه البغداديون واحداً من المشاهد الجميلة التي ظلّت الذاكرة العراقية محتفظة بها حتى وقت قريب، قبل أن يلغى القطار والسكة معاً بحجّة إجراء توسيعات مرورية عليه، بسبب الازدحام الكثيف الذي كان يحدث في بداية الجسر من جهة الكرخ.
اغتيال ذاكرة
لم يكن الجسر كأيّ كتلة حديدية أخرى. كان له روح أخرى تتنفّس هموم المواطنين وتعتمر أحزانهم وأفراحهم معاً، ولعلّ هذا الحضور البهيّ ما زال في ذاكرة الناس البسطاء من العراقيين، فالذي يأتي من الشمال يتواعد مع مستقبليه قرب جسر الحديد، والذي يأتي من الجنوب لا يختلف عن أخيه الشمالي في التوصيف.ليس هذا فحسب، بل إن الجسر صار واحداً من مفردات العشق البغدادي الشفيف، وجزءاً لا يتجزّأ من الأغاني العراقية. ولعل أقرب مثال على ذلك تلك الأغنية البغدادية الجميلة «يا عين موليّتين.. يا عين موليّه.. جسر الحديد انقطع من دوس رجليّه». وهذا يدل على أن الذي قطع أوصال الجسر الحديد، يريد اغتيال ذاكرة الأجيال التي لا تزال ترى في هذا الجسر صوراً مشرقة لعاصمة السلام التي نريد التشبّث بها.
ويتذكّر أبو شيماء اللامي، وهو أحد عناصر دورة الصاعقة الأولى في الكلّية العسكرية بداية السبعينيات في حديث الى «الأسبوعية»، أن أول دورة تخرّجت من على جسر الصرافية قام المشرفون عليها ببناء أقفاص حديدية جانبية لتدريب المظلّيين في الدورة على القفز من على سطح الجسر، وهذا التدريب الخاص بالقوّات الخاصة كان يشرف عليه ضباط روس. ويكمل أبو شيماء حكايته مع هذا الجسر بالقول: بعد تخرّجنا من هذه الدورة بسنين عديدة، أصبحت مدرّباً للقوّات الخاصة العراقية منتصف السبعينيات، وكلّما مررت بتدريبات القفز تذكّرت كيف كان الجسر يومذاك يحتضن ثلّة من أبنائه بحنوّ كبير ليتعلّموا فنون القفز من على الجسر، حتى أن بعض القادة في الأركان أصبحوا يسمّون هذه التدريبات تدريبات الجسر العسكرية. ويشعر أبو شيماء بمرارة كبيرة كلّما مرّ من عليه، ولعلّ هذا السبب جعله يغيّر طريقه اليومي لئلا يراه يئن ويسمع أنينه الموجع، بحسب تعبيره، لأنه لم يعد يحتمل منظره وهو يئن من وجع الانقسام. ولهذا غيّرت طريقي كي لا أسمع أنّاته وهو الذي كان في يوم ما صديقاً لكل الجنود الذين خدموا في القوّات الخاصة، وأملي في أبناء العراق، وهم المعروفون بغيرتهم وعقلهم وابتكاراتهم التي لا تنضب، بالقدرة على أن يعيدوه إلى ما كان عليه.
وتقول مها محمد الخفاجي، وهي طالبة في أكاديمية الفنون الجميلة في بغداد، لـ«الأسبوعية»: «أنا طالبة في قسم التصميم في أكاديمية الفنون الجميلة وأسكن العطيفية، وكان الطريق إلى كلّيتي، قبل استهداف الجسر، يستغرق أقلّ من نصف ساعة مشياً على الأقدام، وكنت أحرص كل يوم على عبور الجسر مشياً وأنا أستمتع بالهواء الطلق وأجوائه الرحبة وخرير المياه من أسفله، أما بعد تفجيره، فصار الأمر يتطلّب ساعات عدة أحياناً للوصول إلى الكلّية، وصار لزاماً عليّ السير مسافات طويلة وركوب سيارات الأجرة التي تقلّنا عبر طريق طويل وملتوٍ، ناهيك بالازدحامات التي تواجهنا في الشوارع، وفي أحيان كثيرة فإن المحاضرة الأولى تفوتني، وأنا لست وحدي التي تعاني هذه المشكلة بل جميع الذين يسكنون هذه المنطقة.
كتبها طالب الوحيلي في 09:00 صباحاً ::
لا يوجد تعليق
الاسم: طالب الوحيلي
